ابن قيم الجوزية

392

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

واعلم أن المعرفة الصحيحة : هي روح العلم . والحال الصحيح : هو روح العمل المستقيم . فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم : فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة . ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال ، لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها . فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم . فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص . ولا يكون مستقيما أبدا . فالعلم الصحيح ، والعمل المستقيم : هما ميزان المعرفة الصحيحة ، والحال الصحيح وهما كالبدنين لروحيهما . فأحسن ما يحمل عليه قوله : « أن يجنح الحال إلى العلم » أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما . والحال يدعو إلى الجمعية . والقلب بين هذين الداعيين . فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة . فتهذيب الحال وتصفيته : أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم . ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم ، وعدم تحكيمه والتسليم له ، بل هو متعبد بالعلم ، محكّم له ، مستسلم له ، غير مجيب لداعيه من التفرقة . بل هو مجيب لداعي الحال والجمعية ، آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته ، غير مستغرق فيه استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده ، لا مطلوب له سواه ، ولا مراد له إلا إياه . فالعلم عنده آلة ووسيلة . وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه . فهو كالدليل بين يديه . يدعوه إلى الطريق ويدله عليها ، فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق . وما في قلبه من ملاحظة مقصده ، ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على الخروج من أوطانه ومرباه ، ومن بين أصحابه وخلطائه . الحامل له على الاغتراب . والتفرد في طريق الطلب : هو المسير له ، والمحرك والباعث . فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزئيات أحوال الدليل . وما هو خارج عن دلالته على طريقه . فهذا مقصد شيخ الإسلام - إن شاء اللّه تعالى - لا الوجه الأول . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وأما قوله : « ولا يخضع لرسم » . أي لا يستولي على قلبه شيء من الكائنات . بحيث يخضع له قلبه ، فإن صاحب الحال : إنما يطلب الحي القيوم . فلا ينبغي له أن يقف عند المعاهد والرسوم . أما قوله : « ولا يلتفت إلى حظ » أي إذا حصل له الحال التام : لم يشتغل بفرحه به ، وحظه منه واستلذاذه . فإن ذلك حظ من حظوظ النفس ، وبقية من بقاياها . قال صاحب المنازل : « الدرجة الثالثة : تهذيب القصد . وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض الفتور . ونصرته على منازعات العلم » . هذه أيضا ثلاثة أشياء . تهذب قصده وتصفيه . أحدهما : تصفيته من ذل الإكراه . أي لا يسوق نفسه إلى اللّه كرها . كالأجير المسخر المكلف . بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى اللّه طوعا ومحبة وإيثارا . كجريان الماء في منحدره . وهذه حال المحبين الصادقين . فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضى . ففيها قرّة عيونهم ،